jeudi 16 juin 2011

اليمن... وصندوق وضاح(رسالة لروح محمد البوعزيزي) بقلم الأديب اليمني أحمد زاين

اليمن... وصندوق وضاح


عزيزي محمد

برداً وسلاماً على روحك.

لا أعرف أين هي الآن، أقصد روحك، لكن يقيناً أصبحت الشعوب العربية كلها، طبعاً بفضلك، تعلم جيداً أين تقف اليوم، وأي مسافة تفصلها من حلمها الجميل، وأملها في عيش كريم.

الطغاة أنفسهم، الأنظمة الفاسدة عينها، أضحوا أيضاً يتحسسون مواقع أخرى، غير تلك التي جثموا عليها طويلاً تحت دعاوى باطلة.

حتى تلك اللحظة، التي أضرمت فيها النار بجسدك المبارك، كانت السوداوية أطبقت تماماً على الشعوب العربية، فلا أمل ولا تفاؤل بمستقبل يخلصهم من الشقاء، الذي تمرن عليه الإنسان العربي طويلاً، وأصبح قادراً على إنتاجه باستمرار، وأخذت أجسادنا تسيل خراباً، وفقا إلى شذرات الفيلسوف سيوران.

أما الآن وهنا، فيمكن القول إن أحلام المواطن العربي لم يعد لها حدود. وكأنما يجد في ذلك متنفساً، أو كأنه في واقع الحال يتنفس هواء جديداً في جغرافية جديدة، راح يمعن في الحلم وبذهب بعيد في التفاؤل.

قلت جغرافية جديدة، نعم أكتسبت أمكنة بعينها في مدننا وعواصمنا العربية، التي كنا نمر بها على عجل، أو لا نوليها القليل من الاهتمام، لهذا السبب أو ذاك، معنى آخر، بمجرد أن آوت وما تزال تأوي، لأيام وأسابيع وأشهر ثواراً صامدين، لا ترى عيونهم سوى الحرية ولا تتنشق حواسهم غير الرغبة في المساواة والعدالة الاجتماعية. في معنى ما يجري الآن عملية إعادة صياغة لمفهوم الوطن والمواطنة، في بعض البلدان العربية، ومنها بلدي (اليمن).

عزيزي محمد

قرأنا في كتب الأساطير أن طائر العنقاء ينبعث ثانية من رماده بعد أن يحترق، ويعيش حياة جديدة، غير أن شعوباً بكاملها انبعثت من رمادك القليل، ذلك ما يقوله الواقع وتؤكده الحقيقة. كتبت أنت لها ليس حياة واحدة، بل حيوات كثيرة. عشت أنت حياة وحيدة، لكنك وهبت الإنسان العربي من المحيط إلى الخليج الأمل في أن يعيش أكثر من حياة زاهية.

أكان عليك يا محمد أن تحرق جسدك، وأن تبدد روحك، لنعيش هذه اللحظة التاريخية والمصيرية والشجاعة في عمر شعوب بكاملها؟ هل كان لا بد من أن تنام، نومك الأخير، ليستيقظ، ما سماه المفكرون، «التاريخ الكبير»؟ ويتبدد الخوف إلى الأبد.

لن نعود لنطالب بحصتنا اليومية من الكآبة ( عودة إلى سيوران) لفرط ما فقدنا الدافع إلى تغيير حياتنا. وغدَا في وسعنا اليوم أن نستغني قليلاً عن السوداوية التي ملأت، طويلاً، عيوننا.

لقد تعلمت الأنظمة العربية، آمل ذلك، ألا تتجاهل الشعوب ثانية، ولا تستخف بمطالبهم، أو تسخر من أحلامهم في قدر من الكرامة وممارسة إنسايتهم كما يشاؤون.

آنَ للطغاة أن ينحنوا لشعوبهم الفقيرة، بعد عقود طويل من الخنوع والعبودية والطاعة العمياء.

كتبت يا محمد مسيرة نضالية جديدة ضد الطغيان. لم تكن منظراً للثورات ولا قائداً ملهماً ولا شخصية كاريزمية تضيئها هالة من النور. كنت شخصاً بسيطاً، عادياً، خريج جامعي صحيح، لكن كالملايين من العرب، من الفقراء والبسطاء، الذين غناهم الوحيد هو حلمهم في التحرر من الطاغية. حلم وإن لم يجرؤ طويلاً على البوح به، غير أن كل خلجة كانت تقول هذا الحلم، كل نأمة، كل حركة، كل ردة فعل مقهورة تعبر عنه وتعكسه.

لم تفضح فقط هشاشة الطغاة العرب، وترينا كيف أنهم جبناء حقيقيون، وغير جديرين بشعوبهم، إنما ايضاً عريت موقف الدول الأجنبية الكبرى، التي مارست صمتها الطويل عما يفعله هؤلاء الديكتاتورييون في مواطنيهم وفي بلدانهم. فأي حكمة كانت للغرب المتحظر في أن يتجاهل، مع سبق الإصرار، التنكيل ومصادرة الحريات واختطاف لقمة العيش من أفواه جائعة؟

عزيزي محمد

حين صرخ الرئيس اليمني علي عبدالله صالح في وجه خصومه، من الثوار والمعارضة «سئمت السلطة»، طالباً منحه قليلاً من الوقت، (إكمال فترته الرئاسية) تعاظم خوف ساحة التغيير في صنعاء وتضاعفت خشيتهم ألا تحقق الثورة، التي أشعلوها، أهدافها سريعاً. وفعلاً ذلك ما حدث ويحدث اليوم، على الأقل حتى كتابة هذه الكلمات، فلا رؤية واضحة بالنسبة لما يحصل في بلدي (اليمن)، يكاد يكون المستقبل بلا ملامح، وهذه مأساة الثوار الحقيقية، أولئك الذين واجهوا الرصاص والقنابل.

لا يواجه الثوار في بلدي نظاماً فاسداً فحسب، تمرن طويلاً على الخداع وتربية الأوهام ومصادرة انسانية الانسان، إنما أنظمة عدة، يمثلها التخلف والفقر وشح الموارد... والقبائل بأسلحتها وعتادها من الدبابات والصواريخ. تذهب قبيلة وتأتي قبيلة أخرى. بلد لا وجود فيه لمؤسسات مجتمع مدني حقيقية.

حتى الحزب الاشتراكي، الذي كان في يوم ما يمثل شعلة أمل، يرفعها الجوعي إلى الحرية وإلى حد أدنى من الاعتراف بهم كبشر، آلت غالبية رموزه إلى التاريخ، في معناه الرث، وفقدت طروحاته، حول انتشال الإنسان اليمني والبلد مما يتخبط فيه، صدقيتها.

ليس الرئيس علي عبدالله صالح من ينبغي إسقاطه، إنما المنظمومة القبلية كلها، يجدر بها أن تتلاشى وتذوب في الوطن. سيسقط صالح، من خلال الثورة أو الاغتيال، كما حاول خصومه، أو الموت الطبيعي، لكن ماذا بعد؟

ماذا بعد يا يمن؟ هذا سؤال مهم، لكن غالبية من اليمنيين لا يطرحونه على أنفسهم، مأخوذين كثيراً بالثورة والحماسة.

يقول نتشه: يكون الحماس والوعي خصمين غير ما مرة، ذلك أن الحماس يريد أن يجني ثمار الشجرة قبل نضوجها، بينما الوعي يدعها على الشجرة طويلاً إلى أن تسقط وتنسحق».

يجدر باليمنيين، الغالبية منهم، تأمل ما يجري وما سيلي الثورة، بوعي وتوجس.

فساحة التغيير ليست كلها شباباً أو أناساً مدنيين، فهناك أحزاب قمعية تسللت إليها وانقضت على الثورة والثوار. من الذي هاجم المثقفات اليمنيات واعتدى عليهن؟ ومن الذي قيد حركة الشباب في الساحة ومنعهم من الكلام؟ غير عناصر من أحزاب «رثة» تلوح بتخليص البلد من النظام الفاسد، في ما تجهز في الخفاء نظاماً أكثر فساداً، يقوم على الإقصاء والتهميش والاستيلاء على ما تبقى، من مقدرات الوطن.

يقول الشاعر اليمني الكبير عبدالله البردني في قصيدة عظيمة له: «ماذا أحدث عن صنعاء يا أبتي ... مليحة عاشقاها السل والجرب... ماتت بصندوق وضاح بلا ثمن... ولم يمت في حشاها العشق والطرب». وبعيداً عن الأسطورة التي تتأسس عليها قصة صندوق وضاح، فإن صنعاء واليمن كلها بقيت في ذلك الصندوق، تعيش منسية في غفلة من التاريخ.

وفي لحظة تصورنا أن الرئيس صالح أخرجها من ذلك الصندوق، وأنقذها من النسيان وأعاد لها روحها، بيد أننا ما لبثنا سريعاً أن شعرنا أن كل ذلك مجرد أوهام كبيرة، وأن على اليمن كلها، أن تنتفض كثيراً وأن تجابه قوى الظلام والفكر البائد، لتخرج من ذلك الصندوق الأسطوري، إلى سطوع الواقع وطزاجة الحياة.

إذاً ماذا على اليمن أن يفعل؟ هذا البلد العريق الذي يتوافر فيه أكثر من 50 مليون قطعة سلاح، ومع ذلك لم يستعملها في مواجهته مع الطغاة بأنواعهم، وبدلاً عن ذلك، راح يرشق العساكر بالورد والرسوم والبالونات الملونة. ماذا على بلدي أن يفعل؟ هل لا بد من أن يحرق مزيداً من الأيام والأسابيع والشهور؟ حتى يتمكن من الانتصار، على طغاته وعصاباتهم المسلحة، وأن يفتح نافذة ليدخل ضوء جديد لشمس جديدة.

عزيزي محمد

لم يعد هناك مستحيل بعد أن شقيت الطريق بجسدك، الذي ما يزال يحترق، فيما يشبه شعلة كبيرة من الضوء، في مخيلات شعوب بكاملها. فلتهنأ بمجدك وتاريخك الكبير.


أحمد زاين

*روائي وصحافي يمني. صدرت روايته الجديدة وعنوانها "حرب تحت الجلد" في العام الماضي 2010عن دار الآداب (بيروت _ لبنان).

مصدر النص

النص في ترجمته الفرنسية

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire